Unseen Tone
Chapter 2

صدى الانقطاع

1,211 words·~5 min read·2/27/2026

في وادٍ سحيق يمزق تضاريس كوكب "إيلوريس"، حيث لا يجرؤ ضوء الشموس على اختراق الضباب الكثيف، كانت خطوات "ميرين" تتعثر وسط الأنقاض. كانت تحمل بلورة سحرية تشع بضوء خافت، تحاول بصعوبة تفادي الجذور المتحجرة والأعمدة الحجرية العملاقة التي تناثرت في الممر الجبلي المفتوح كأضلاع وحش ميت.

أمامها، كان يسير "لياروس". رجلاً فارع الطول، يلتف بعباءة رمادية ثقيلة، وعلى عينيه عُصابة جلدية سوداء تخفي وراءها عمىً أزلياً. رغم الطريق الوعر، كانت خطوته واثقة، ينزلق بين الصخور البارزة والحفر وكأنه يحفظ تضاريسها عن ظهر قلب. لم تكن عصاه المصنوعة من الحديد الأسود تضرب الأرض لتتحسس الطريق، بل كانت تلامس الأرض بإيقاع خفيف، كأنها "تستمع" لنبض الحجارة.

توقف لياروس فجأة. رفع يده الخشنة ولمس سطح عمود متصدع يرتفع في العراء. أمال رأسه قليلاً نحو الحجر، وظل صامتاً لثوانٍ، بينما راقبته ميرين بأنفاس مكتومة.

"الحجر يئن يا ميرين..." همس لياروس، وصوته العميق ينساب وسط الرياح الباردة التي تعصف بالوادي. "لا يئن من ثقل الزمن، بل من رعبٍ قديم. ذبذبات هذا المكان... مقطوعة الأوصال."

اقتربت ميرين بحذر، ومررت ضوء البلورة على النقوش الباهتة للعمود: "لا أزال لا أفهم يا معلمي... لماذا قطعنا كل هذه المسافة إلى أطلال إمبراطورية 'إيريث'؟ لقد أُبيدوا منذ آلاف السنين، ولا توجد هنا كنوز أو مخطوطات باقية."

سحب لياروس يده من على الحجر ببطء، وتوجه بظهره نحو مجرى الرياح، وكأنه يقرأ تيارات الهواء. "نحن لا نبحث عن الذهب أو الحبر يا صغيرتي. لقد سقطت هذه الإمبراطورية دون أن تُراق قطرة دم واحدة، ودون أن يغزوها جيش. لقد جئت إلى هنا لأتتبع 'الصدى'. السحر الذي كان ينبض في عروقهم لم يُهزم... بل 'صمت' فجأة. هناك نغمة ناقصة ابتلعت حضارتهم بأكملها، وجئت لأفهم كيف..."

وفجأة... انقطع الخيط.

لم يتوقف لياروس عن الحديث بإرادته. بل سقطت عصاه الحديدية من يده لتصطدم بالصخور بجلجلة عنيفة صمت الآذان. انهار جسده الضخم على ركبتيه، وقبض بكلتا يديه على صدره بقوة، وكأن نصل رمح غير مرئي قد اخترق قلبه ومزق أوردته.

"معلمي!" صرخت ميرين وأسقطت بلورتها، راكضة نحوه برعب.

كان لياروس ينتفض بعنف، فمه مفتوح لكنه يعجز عن سحب الهواء. لم يكن ألماً جسدياً، بل كان "انقباضاً كونياً". في تلك اللحظة بالذات، شعر بـ "تمزق" مرعب في نسيج اللحن الأعظم للوجود. لم يسمع صوتاً، بل أحس بـ "الموت المطلق للذبذبة". ثقب أسود من الصمت ظهر فجأة في خريطة إدراكه، يبتلع الترددات بوحشية. شعر وكأن الكون قد توقف عن التنفس لجزء من الثانية، وانقبض قلبه بشدة استجابةً لهذا الفراغ.

"معلمي لياروس! هل أنت مصاب؟ هل هناك من يهاجمنا؟" كانت ميرين تبكي وهي تحاول إسناده، تتلفت يميناً ويساراً في الوادي المظلم، لكنها لم تَرَ شيئاً. بالنسبة لها، الأطلال كانت هادئة كما هي.

بصعوبة بالغة، أخذ لياروس شهيقاً عميقاً، يلهث وكأنه كان يغرق في محيط من العدم. شد على ذراع ميرين بقوة كادت تكسر عظامها، ورفع وجهه المعصوب نحو سماء الكوكب الضبابية. كانت عروق رقبته نافرة، وملامحه الصارمة مشوهة من رعبٍ لم تعهده تلميذته يوماً.

"إنه... ليس هنا..." همس لياروس بصوت يقطر رعباً، وهو يحاول الوقوف مستنداً على كتفها. "هذا الانقباض... هذا النشاز... لم يضرب كوكب إيلوريس. إنه قادم من مكان أبعد... من أعمق فراغ في نسيج 'كاثيون'."

ابتلعت ميرين ريقها بصعوبة، ونظرت إلى سماء الكوكب الخالية: "نشاز؟ عن ماذا تتحدث يا معلمي؟ هل هو خطر؟"

التفت لياروس نحو جدران حضارة "إيريث" المحطمة المحيطة بهم في الوادي المفتوح، وقال بصوت مثقل بنبوءة سوداء: "هل تذكرين التردد الميت الذي جئنا ندرسه؟ النغمة التي أبادت هذه الحضارة بأكملها؟" أومأت ميرين برأسها ببطء. أكمل لياروس، ويده ترتجف للمرة الأولى: "ما ابتلع إيريث قديماً كان مجرد همسة... مجرد قطرة سقطت بالخطأ من محيط مظلم. أما ما شعرت به الآن... فهو المحيط نفسه. لقد استيقظ... وهناك فراغٌ بدأ يبتلع نبض 'كاثيون'."

ظل الصمت الثقيل يخيم على الوادي السحيق بعد كلماته. حتى الرياح الباردة التي كانت تعصف بين الأنقاض بدت وكأنها خفتت، خائفة من أن تكسر هذا الهدوء المرعب.

استند لياروس بكامل ثقله على كتف ميرين، ودفع نفسه للأعلى بجهد حتى استعاد وقفته المستقيمة. وجهه كان شاحباً كالموتى، وقطرات عرق باردة انحدرت من تحت عصابته الجلدية لتتوارى في لحيته الرمادية الخفيفة. التقط عصاه الحديدية من الأرض، لكن هذه المرة لم يمسكها بخفة، بل قبض عليها بكلتا يديه بقوة جعلت مفاصل أصابعه تبيض.

"ابتعدي يا ميرين،" أمرها لياروس بصوت جاف وحازم لا يقبل النقاش.

تراجعت ميرين خطوات للخلف فوراً، حاملة بلورتها السحرية التي بدا ضوؤها الآن أضعف من المعتاد. راقبت معلمها وهو يغرس قاعدة عصاه الحديدية في شق بين صخرتين عملاقتين.

لم يكن لياروس ينوي الاستسلام لهذا الرعب الأعمى. إذا كان هناك "فراغ" ينمو في نسيج الكون، فعليه أن يعرف حجمه، ومكانه، وسرعة زحفه. كان سيستخدم تقنيته الأسمى: "نبض الصدى الكوني".

أخذ لياروس نفساً عميقاً، وبدأ يتمتم بكلمات قديمة، ليست بلغة البشر، بل بتناغمات صوتية تشبه طنين النحل العميق واحتكاك الصخور. مع كل مقطع صوتي يخرج من حنجرته، كانت العصا الحديدية تهتز بعنف، وتبدأ في التوهج بلون أزرق باهت.

ثم، رفع لياروس العصا قليلاً، وضرب بها الأرض بقوة هائلة. دووووم!

لم يكن مجرد صوت ارتطام، بل كان موجة اهتزازية سحرية مرعبة انطلقت من نقطة ارتكاز العصا. رأت ميرين الهواء يتشوه حولهما كتموجات الماء، وانطلقت الموجة لتخترق الجبال، والسماء، وتتجاوز الغلاف الجوي للكوكب لتسبح في الفضاء الشاسع لـ "كاثيون".

بالنسبة للياروس، كانت هذه الموجة هي "عينيه". كان يرسل صوته إلى أطراف الكون، وينتظر أن يصطدم بالكواكب، بالنجوم، وبالسدم السحرية، ليرتد إليه كـ "صدى" يخبره بكل ما يمر به. كان يستمع لارتداد الحياة.

مرت ثانية... اثنتان... ثلاثة. بدأ الصدى يعود. استمع لياروس إلى نغمات الكواكب المجاورة، استشعر حرارة الشموس البعيدة، وسمع طنين أنهار السحر التي تربط العوالم... كل شيء كان طبيعياً، السيمفونية تعزف كما هي.

ولكن فجأة... من أقصى زاوية في خريطة إدراكه، حيث يجب أن ترتد الموجة من مجموعة النجوم القديمة... لم يعد شيء.

تجمد لياروس تماماً. الموجة التي أرسلها لم تصطدم بشيء لترتد، بل ابُتلعت. كان هناك جدار من العدم المطلق، مساحة شاسعة في الكون لا تعكس الصوت، لا تعكس السحر، ولا تعكس الضوء. مجرد ثقب أسود هادئ وجائع، يتسع ببطء شديد ليبتلع كل ذبذبة تلمسه.

سحب لياروس يده من على العصا بسرعة وكأنها جمرة مشتعلة، وتراجع خطوة للخلف وهو يلهث.

"ماذا رأيت يا معلمي؟" صرخت ميرين، وقد بدأ الرعب ينهش قلبها وهي ترى أقوى ساحر تعرفه يفقد تماسكه بهذا الشكل. "هل عرفت أين هو؟"

هز لياروس رأسه ببطء، وشفتاه ترتجفان. "لا يمكن تحديد مكانه بالنظر يا ميرين، لأنه لا يمتلك شكلاً... إنه 'الغياب' بحد ذاته." التقط لياروس أنفاسه بصعوبة، وأمسك عصاه مجدداً، لكن هذه المرة ليتكئ عليها. "موجتي السحرية لم ترتد... لقد التهمها. هناك بقعة في الكون قد خرسَت للأبد، وهي تتمدد."

نظر لياروس (رغم عماه) نحو ميرين، وتغيرت نبرة صوته من الرعب إلى الجدية القاطعة، نبرة رجل أدرك أن حقبة السلام قد انتهت للأبد. "اجمعي أغراضنا فوراً. لن نبيت ليلتنا في هذا الوادي."

سألت ميرين وهي تسرع بجمع معداتهم المتناثرة: "إلى أين نحن ذاهبون؟ هل نعود إلى المعبد؟"

ضرب لياروس الأرض بعصاه ليحدد مساره نحو مخرج الوادي، وقال بصوت يحمل ثقل جبال إيلوريس: "لا وقت للمعبد. يجب أن نتوجه إلى 'مدينة الأبراج العاجية'.. إلى مجلس الحكماء الأعلى. يجب أن أحذر السحرة، والملوك، وكل من يملك أذناً لتسمع."

توقفت ميرين للحظة، ونظرت إليه بشك: "لكن يا معلمي... هم لا يرون العالم كما تراه. إنهم يعتمدون على عيونهم البصرية. إذا كانت السماء لا تزال تمطر ضوءاً، والنجوم تلمع في أماكنها... فلن يصدقوك! سيقولون أنك عجوز يهذي!"

التفت لياروس نصف التفاتة، والرياح تضرب عباءته الرمادية. ملامحه الآن كانت أقسى من صخور الأنقاض التي يتركونها خلفهم. "أعلم أنهم لن يصدقوني. المبصرون دائماً ما يعميهم النور عن رؤية الحقيقة..." قالها بنبرة خفيضة، ثم أكمل وهو يستأنف سيره في الظلام: "لكن من واجبي أن أخبرهم... أن الأعمى الوحيد بينهم، هو الوحيد الذي يرى نهاية العالم وهي تقترب."

End of Chapter 2
Rate this chapter
10.0/10·2 ratings
Comments

Log in to join the conversation.