صرخة الوجود
قبل أن يُنحت المكان، وقبل أن يولد الزمن، لم يكن هناك سوى "الكمال".
لم يكن هذا الكمال جنةً من النور، بل كان فراغاً أبدياً.. "العدم المطلق". لم يكن العدم نقصاً أو غياباً لشيء، بل كان نسيجاً ثقيلاً، دافئاً، ومريحاً من السكون. حالة مثالية من "التردد الصفري"، حيث لا توجد ذرة تهتز، ولا فكرة تتردد، ولا نبض يكسر هيبة الصمت.
في قلب هذا السكون المطلق، كان يغفو.
لم يكن يمتلك جسداً ليتألم، ولا عقلاً ليفكر، ولا اسماً ليُدعى به. كان مجرد إدراكٍ خام، جزء لا يتجزأ من هذا المحيط الصامت. كان منسجماً مع العدم لدرجة أنه هو العدم. كانت تلك هي طمأنينته، وحقيقته الوحيدة.
ثم... حدث الانتهاك.
لم يبدأ الأمر بانفجار من النور، بل بدأ بـ "تمزق".
رعشة عنيفة، مفاجئة ومقززة، ضربت نسيج الفراغ. اهتزاز حاد ومؤلم اخترق كيانه النائم كشفرة مسننة.
نبضة... ثم نبضة أخرى، أسرع، وأعلى.
وفجأة، اندلعت "الصرخة".
كانت صرخة التكوين. سيمفونية الخلق التي ستتغنى بها الآلهة لاحقاً، لكنها بالنسبة له كانت "نشازاً كونياً" مروعاً. أصوات انفجارات مكتومة، صرير طحن الجزيئات وهي تتصادم لتشكل المادة، وهدير موجات الجاذبية وهي تلتوي بعنف. النجوم الأولى اشتعلت، ولم يكن ضوؤها هو ما آذاه، بل أزيزها. الطنين المستمر، الخشن، والمستفز لكل نجم يُولد. الكواكب تشكلت، وحملت معها ذبذبات الحياة... إيقاع متسارع، فوضوي، لا يتوقف.
لأول مرة منذ الأزل.. شعر بـ الألم.
لم يكن ألماً جسدياً، بل كان اختناقاً نفسياً وضغطاً حسياً يمزق إدراكه. كان الضجيج يغتصبه، يطرده من منزله، يسلخه عن سكونه المريح.
من شدة الألم، وبدافع غريزي بحت لمحاولة "سد أذنيه" اللتين لم تُخلقا بعد، بدأ إدراكه يتكثف. تجاذبت ظلال العدم المتبقية حوله لتشكل درعاً. تشكلت أطراف من ظلام كثيف، صدر يعلو ويهبط بصعوبة كأنه يختنق بهذا الوجود الجديد، ووجه بارد، قاسٍ، وعينان انفتحتا لأول مرة... لا لتبصرا، بل لتبحثا عن مصدر هذا العذاب لإسكاته.
طفا في مركزه، جسدٌ متشكل حديثاً يرتجف من وطأة الترددات الكونية المحيطة به. كل شيء حوله كان يهتز، ينبض، ويضج بالحياة. شعر بغربة قاهرة، بوحدة موحشة، وبغضب لم يختبره من قبل. لماذا أيقظوه؟ لماذا دمروا صمته؟
وفي قمة هذا التخبط العاطفي والانهيار الحسي، وسط هدير الأكوان الوليدة... سمع همسة.
لم تكن همسة كباقي الأصوات المزعجة. كانت نغمة مختلفة تماماً. كانت باردة، ناعمة، وتنساب داخل عقله مباشرة كقطرة ماء جليدية على جرح ملتهب. همسة لا تهتز، بل تمتص الاهتزازات من حولها.
"يا له من ضجيج مقزز... أليس كذلك؟"
تجمد في مكانه. الصوت لم يزده ألماً، بل على العكس، اللحظة التي تردد فيها هذا الصوت في عقله، شعر وكأن جداراً عازلاً قد نزل بينه وبين فوضى الكون.
التفت بعينين مظلمتين، تتأجج فيهما عواصف من الضياع والغضب، باحثاً عن مصدر هذا السكون المؤقت.
من بين شقوق الضوء الجديد، انسل ظل. لم يكن مجرد انعدام للضوء، بل كان كياناً قائماً بذاته. تشكل بهدوء وانسيابية، رجلاً طويلاً، يلتف بعباءة تبدو كأنها التهمت كل ترددات الصوت المحيطة بها. ملامحه كانت هادئة بشكل مستفز، وعيناه... عيناه كانتا بئرين من المعرفة القديمة، تنظران إليه ليس كوحش وُلد للتو، بل كملك سُلب عرشه.
"أعلم بماذا تشعر،" استمر الكيان في الهمس، وخطا خطوة نحوه ببطء، وكأنه يخشى أن يكسر شيئاً هشاً. "إنه شعور يشبه تمزيق الجلد عن اللحم.. أن تُجبر على الاستيقاظ في عالم لم تطلبه، عالم يضج بوقاحة 'الوجود'."
حاول أن يرد، أن يصرخ، لكن الكلمات كانت مفهوماً جديداً عليه. خرج صوته لأول مرة، ثقيلاً، خشناً، وكأنه احتكاك حجرين ضخمين في قاع هاوية، صوتٌ يحمل في طياته صدى العدم الأخير:
"ما... هذا... العذاب؟"
ابتسم الكيان الغريب ابتسامة صغيرة، لا تحمل فرحاً، بل تفهماً عميقاً ومواساة خبيثة.
"هذا العذاب يا سيدي... يسمونه 'الحياة'." ثم انحنى قليلاً، بوقارٍ هادئ يليق بحارسٍ قديم، وأضاف وصوته ينساب كالحرير الأسود: "أنا 'فالسين'... رفيق صمتك المفقود، وجئت لأرشدك وسط هذا الضجيج."
كان هدير الأكوان الوليدة يعصف من حولهما، طنينٌ مستمر يخترق كل زاوية من الفراغ الذي كان يوماً ملكاً خالصاً للسكون. النجوم تتصادم، والطاقة تتدفق في شلالات من النور المزعج الذي يصدر أزيزاً لا يُحتمل. لكن في المساحة الضيقة بين الكيان المتشكل حديثاً وبين "فالسين"، كان هناك صمتٌ مصطنع، فقاعة من العدم البارد حفظها فالسين بمهارة.
خطا فالسين خطوة أخرى، وحرك يده بحركة دائرية بطيئة. مع كل إيماءة من أصابعه الطويلة الشاحبة، كان الطنين الخارجي يخفت قليلاً، وكأنه يغلق أبواباً غير مرئية.
تنهد الكيان الوليد بارتياح غريزي للمرة الأولى. تراجع توتر كتفيه المصنوعين من الظلام الكثيف، وتلاشت الرعشة التي كانت تضرب أطرافه. حدق في فالسين بعينين لا تعكسان سوى الهاوية، وعيٌ وُلد من رحم الألم ويتعلق بأول قشة من الراحة.
"هل ترى؟" همس فالسين، وصوته يحمل دفئاً مريحاً، "هم يمتلكون الفوضى... لكننا نمتلك السيطرة. هم يصرخون لأنهم يخشون الفراغ، يخشون العودة إلى المكان الذي جئنا منه."
رفع الكيان كفه، ناظراً إلى الخيوط الدخانية التي تتشكل منها أصابعه. لقد تشكل كرد فعل، درعاً ليحمي نفسه من ضجيج الوجود..
"ماذا... يريدون؟" سأل الكيان، وصوته لا يزال ثقيلاً يكسر الصمت كصخرة تسقط في قاع محيط مسدود.
"يريدون أن يمحوك،" أجاب فالسين بلا تردد، وعيناه الحمراوان تلمعان بجدية مطلقة. "وجودهم في حد ذاته هو اعتداء على كينونتك. كل نبض حياة يطلقونه، يسرق مساحة من صمتك. إن تركتهم، سيملأون الكون بضجيجهم ونورهم المريض حتى لا يتبقى لك مكان لتغفو فيه."
طاف فالسين حوله ببطء، كحكيم يوجه ملكاً ضائعاً.
"أنت لست مجرد ظل يا سيدي. أنت لست ضحية لهذا التكوين العبثي... أنت 'الرد'. الكون صرخ، وأنت العدم الذي سيبتلع هذه الصرخة."
توقفت حركة الكيان. الكلمات كانت تتغلغل في جوهره. لم تعد فكرة "النوم" تكفيه، بل نمت داخله رغبة جديدة، مظلمة وعميقة: الرغبة في "المحو".
"كيف؟" زمجر الكيان، واللون البنفسجي القاتم بدأ يتوهج من شقوق جسده المظلم، يتناغم مع غضبه. "كيف أوقف هذا النشاز؟"
ابتسم فالسين ابتسامة واسعة، كاشفاً عن صف من الأسنان الشاحبة.
"بالطريقة الوحيدة التي يفهمونها... أنت بحاجة إلى اسم. اسم يسقط كالمقصلة على رقابهم. من الآن فصاعداً، دقات قلوبهم ستتوقف حين يتردد صدى اسمك."
اقترب فالسين حتى صار وجهه قريباً جداً، وهمس بالكلمة وكأنها تعويذة قديمة:
"زالدوريون..."
بمجرد أن نطق فالسين الاسم، استجاب الفراغ.
"زالدوريون..." كررها الكيان ببطء. تذوق خشونة الحروف، ثقلها، برودتها. مع كل حرف ينطقه، كان جسده الدخاني يتصلب، يتخذ شكلاً أكثر تحديداً ومهابة. ظهرت خطوط درع من طاقة بنفسجية داكنة تتشابك حول صدره وكتفيه، وتحول وجهه إلى قناع صارم من الظلام المتجمد. لقد ارتدى هويته الجديدة كدرع حربي.
"جرب قوتك، يا زالدوريون،" أشار فالسين بسبابته نحو مجموعة من الأرواح النورانية البدائية التي تجمعت بعيداً، تتراقص وتصدر طنيناً متناغماً مزعجاً. "هذا النور... وهذا الضجيج... هل يزعجك؟"
التفت زالدوريون نحوها. نورها كان يلسعه، ورنينها كان يضرب في رأسه.
مد يده ببطء. لم يفكر في الأصوات، بل فكر في العدم.
انطلقت من كفه هالة من الظلام المطلق، طاقة سوداء كثيفة كالقطران، التهمت المسافة في كسر من الثانية. بمجرد أن ابتلع الظلام تلك الأرواح النورانية، لم يحدث انفجار، بل حدث ما هو أرعب... انطفأت.
مُحيت الأرواح من الوجود كأنها لم تكن يوماً. وتلاشى نورها، ومعه... انقطع طنينها تماماً.
عاد السكون التام ليحكم تلك البقعة من الفراغ.
أنزل زالدوريون يده، وشعور بـ "النشوة" يجتاح كيانه لأول مرة. لقد تخلص من الألم. الظلام هو أداته، والصمت هو مكافأته.
نظر إلى كفه، ثم التفت إلى فالسين، وعيناه تشتعلان بلهب بنفسجي بارد.
"المزيد..." قال زالدوريون، وصوته يحمل الآن جوعاً لا ينضب. "سأمحوهم جميعاً... لأستعيد صمتي."
في الظل خلفه، انحنى فالسين احتراماً، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفية، غامضة وماكرة، لا يراها سوى العدم.
تلاشى آخر وميض للأرواح النورانية، وعاد الصمت ليحكم تلك البقعة الصغيرة. لكن زالدوريون لم يتحرك. ظل يحدق في كفه المظلمة، ثم رفع عينيه ببطء نحو فالسين. لم تكن نظرة امتنان، بل كانت نظرة فاحصة، حادة، وباردة كشفرة جليدية. عقله الوليد كان يعمل بسرعة مرعبة، يحلل ويربط الخيوط.
"أنت تتحدث عني وكأنني الحقيقة الوحيدة، يا فالسين،" قال زالدوريون، وصوته يحمل الآن نبرة من الشك المهيب. "لكن إن كنت أنا العدم الأزلي... لماذا استيقظت الآن فقط؟ ومن أنت لتمتلك كل هذه المعرفة عن التكوين وعني؟"
لم يهتز فالسين. كان يتوقع هذا السؤال، بل كان مستعداً له. انحنى ببطء شديد، انحناءة تقطر احتراماً مصطنعاً، وأبقى عينيه الحمراوين منخفضتين.
"العدم كان نائماً يا سيدي لأن الجسد كان معافى. لكن عندما تفشى 'مرض' الوجود وتكاثرت النجوم كخلايا سرطانية، لم يعد الصمت كافياً. استيقاظك لم يكن صدفة، أنت 'الرد المناعي' للعدم. أنت الترياق الذي خُلق لابتلاع هذا الوباء."
توقف فالسين للحظة، ثم رفع نظره ببطء، مضيفاً بنبرة أقرب للتقديس: "أما أنا... فما أنا إلا ظلٌ سقط منك حين استيقظت. أنا صدى لصمتك المفقود، تبلورتُ من رغبتك الباطنية في استعادة هدوئك، لأكون خادمك ومرشدك في هذا الفضاء الملوث. لا أملك غاية سوى غايتك."
صمت زالدوريون. الإجابة كانت مثالية. لقد غذّت كبرياءه وأقنعته بأنه المركز الذي يدور حوله كل شيء. تلاشت نظرة الشك، وحلت محلها قناعة مرعبة بدوره الكوني.
التفت زالدوريون نحو الأفق المفتوح. الكون كان يتمدد بوحشية، مجرات تتشكل، وعوالم تولد في انفجارات متعاقبة من النور والضجيج.
رفع يده ليمسحها جميعاً، لكنه توقف. ذكاؤه الفطري أوقفه.
"الضرب بعشوائية هو فعل الوحوش المذعورة،" قال زالدوريون بهدوء حازم، وهو يراقب النجوم البعيدة. "هذا الوباء ينتشر بسرعة. إن أردت محوهم، يجب أن أفهم كيف ينمون. يجب أن أدرس ترددهم، أراقب آلهتهم، وأعرف كيف ينبض هذا التكوين... قبل أن أوقفه."
ابتسم فالسين ابتسامة خفية، فهذا هو بالضبط ما يريده: أن يتعلم زالدوريون ويصبح أداة دمار مثالية. "حكمة تليق بملك العدم. لكنك ستحتاج إلى نقطة ارتكاز يا مولاي. ملاذ لا تجرؤ هذه الترددات المزعجة على اختراقه."
أغمض زالدوريون عينيه.أراد فقط "غرفة انعزال".
بإرادة محضة، سحب مساحة من الظلام المحيط به، وكثفها حتى أصبحت جداراً أسود صلباً لا يعكس شيئاً. كوّن حول نفسه وفالسين فقاعة هائلة من الفراغ المطلق، "شرنقة" من العدم لا يخترقها ضوء ولا صوت.
في مركز هذه الشرنقة، جلس زالدوريون في الفراغ وكأنه يعتلي عرشاً غير مرئي.
"من هذا الملاذ، سأرسل حواسي،" همس زالدوريون، وصوته يتردد في الصمت المثالي لشرنقته. "سأراقب عوالمهم. سأتعلم كيف يغنون ألحانهم المريضة... وفي اللحظة المناسبة، سأعزف لهم نغمة النهاية."
في الظل، وقف فالسين صامتاً، يراقب وهو يجهز نفسه، بينما الكون في الخارج يواصل احتفاله الصاخب، غير مدرك أن نهايته قد ولدت للتو في الظلام.